ابن عربي
109
شجون المسجون وفنون المفتون
رأى مناما يتضمّن المتاعب ، ويحتوي على المعاطب « 1 » ، مع علمه أنّه نائم ، لما كان يبالي بما يراه من المصائب ، ولا يأسى على ما فاته من الأطايب ، لتيقّنه أنّ ذلك من باب الخيال ، وتحقّقه بما يؤول إليه الحال ، ومن أبلغ الكلام في هذا المقام ، قوله عليه السّلام « 2 » : « النّاس نيام » . لمحة الجنان من ملحة الجنان : سرت نسمة فسرت كربا ، وسرت قلبا ، وجلت همّا ، وجلت مشاهدة [ 28 / ب ] وعلما . إنّ ذوات اللّذائذ والطّيّبات من المنظورات والمسموعات ، وبقيّة المحسوسات ، إذا تجرّدت منها الذّات ، وعلت بملكة التّجريد عنها عليها ، ردّت لطائفها إليها ، فإن نظرت إلى ما فوقها من العقليّات أمدّت بالهبات « 3 » العليّات ، وإن نظرت إلى ما دونها من الحسّيّات واللّذائذ الجسمانيّات ، شهدت في ذاتها سائر مطلوباتها ، واستمرّت في الحالتين خالدة في جنّتين ، وقد تضرب الأمثال فيما يتصوّره الخيال ، وإن جلّ عن المقال ، كالنّاظر إلى خضرة البستان ، ونضارة الأغصان ، وجريان الغدران ، مع سماع ظريف الألحان ، على لطيف العيدان ، من طرائف الحسان في محلّ فيه الأماني والأمان ، فهذا يجد في ذاته من إدراك لذّاته ما لا يخطّه البنان ، ولا ينطق به اللّسان ، حتّى لو أغلق عينيه ، وحجب عن السّماع أذنيه ، لبقيت لذّته تلك مستمرّة عليه ، وربّما تلطّفت في مرآة الفكر ، فزادت على لذّة النّظر ، فهذا اللّذيد الموجود مع الإعراض عن المشهود ، منه جنّتان ذَواتا أَفْنانٍ « 4 » ، موجودتان في كلّ آن ، خباء في ذات الإنسان ، فلو غاب لحضر ، ولو نسي لذكر ، وشهد في ذاته كلمح البصر سائر مطلوباته ممّا بطن وظهر .
--> ( 1 ) في م : « على الملاعب والمعاطب » . ( 2 ) برواية : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » وهو في كشف الخفاء للعجلوني 2 / 280 رقم 2794 وذكر أنه لعلي بن أبي طالب والأسرار المرفوعة 353 رقم 555 . وذكر أنه لعلي بن أبي طالب . ( 3 ) في م : « بالهيئات » . ( 4 ) سورة الرحمن : 48 .